السيد كمال الحيدري
94
روحانية العبادات (دروس في الأخلاق التعليمية والواقعية)
النكتة الثانية : التعبير بالوجه يحكي مركزيّة التوجّه ، وكأنّه أراد أن يكون المسجد مركز التوجّه في عباداتنا . اللطيفة الأولى : الكفّ عن الالتواء البدنيّ والقلبيّ عند أداء الصلاة في المسجد ، فالمسجد بيت الله تعالى ، وكأنّ الراكع الساجد فيه راكعٌ ساجدٌ في قلب الكعبة المشرّفة . اللطيفة الثانية : إقامة الوجه عنده حثٌّ على إدمان التفكّر في العبادات الواقعة فيه ، بحيث ينبسط هذا التفكّر على الأوقات الأخرى التي نقضيها خارج المسجد ، فتعطي إقامة الوجه إدامة الحضور فيه من خلال الأثر المنبسط . ثالثاً : تقوائيّة المسجد وهو قوله تعالى : لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ( التوبة : 108 ) ؛ فلو أقيم مسجدٌ لرفع شأن بانيه ، أو ليكون صوتاً لجهة بانيه ، أو لهدفٍ دنيويٍّ آخر ، فإنّه أشبه بمسجد ضرارٍ من المسجد الذي ينبغي تأسيسه على التقوى ، فقيامه على أساس التقوى من مصاديق مسجديّة المسجد ، وإلّا كان بناءً وصرحاً خاوياً . من هنا ينبغي على الساعين في بناء المساجد أن يتّقوا الله تعالى في مقاصدهم ، فإنّ كلّ مسجدٍ لم يُقصد به وجه الله تعالى فإنّه - فضلًا عن كونه فاقداً لأحد شروط المسجديّة - لا يخرج عن كونه مصداقاً من مصاديق مسجد ضرارٍ الذي أمر رسول الله ( ص ) بهدمه وحرقه « 1 » ، ليكون عبرةً للمعتبرين ،
--> ( 1 ) ورد ذكر مسجد ضرارٍ في قوله تعالى : وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ( التوبة : 107 ) ؛ وقصّته : أنّه كان هنالك رجل يدعى أبا عامرٍ الراهب - وهو والد الصحابيّ الجليل حنظلة ( غسيل الملائكة ) الذي استشهد في معركة أحدٍ ، وكان جنباً فغسّلته الملائكة - قد ترهّب في الجاهليّة ولبس المسوح ، فلمّا قدم النبيّ ( ص ) المدينة حسده ، وحزّب عليه الأحزاب ، ثمّ هرب بعد فتح مكّة إلى الطائف ، فلمّا أسلم أهل الطائف لحق بالشام ، وخرج إلى الروم وتنصّر ، وقد سمّاه رسول الله ( ص ) بأبي عامرٍ الفاسق ، وكان قد أرسل إلى المنافقين أن استعدّوا وابنوا مسجداً ، فإنّي أذهب إلى قيصر ، وآتي من عنده بجنودٍ ، وأخرج محمّداً من المدينة ، فكان هؤلاء المنافقون يتوقّعون أن يجيئهم أبو عامرٍ ، فبنوا المسجد ودعوا الناس له ، وقد مات أبو عامرٍ الفاسق قبل أن يبلغ ملك الروم ، وقد جاء النهي عن الصلاة في ذلك المسجد الذي أريد به إلحاق الضرر بالمسلمين . ( انظر : مجمع البيان في تفسير القرآن ، للشيخ الطبرسيّ : ج 5 ، ص 126 ) .